مقدمة:
سوريا بمكوناتها المتعددة وأعراقها وثقافاتها الغنية كانت دائمًا نموذجًا لتلاقح الحضارات والتعايش المشترك. لكنّ تعقيدات التاريخ الحديث أظهرت تحديات أمام هذا التماسك مما يجعل من الضروري إعادة بناء العلاقات المجتمعية على أسس الجيرة والصداقة والشراكة مع احترام خصوصية كل مكون. وكما قال الفيلسوف الهندي مهاتما غاندي: “لا يمكن للسلام أن يستمر إلا حيث تُحترم حقوق الجميع ويتم الاعتراف بتنوعهم.”
الجذور التاريخية للتعايش في سوريا
منذ العصور القديمة كانت سوريا نقطة التقاء للحضارات الكبرى مثل الآشورية والميتانية والفينيقية والرومانية والعربية الإسلامية حيث تفاعلت الشعوب عبر التجارة والثقافة والدين.
و المدن التاريخية التي مازالت حاضرةً في يومنا هذا مثل دمشق وحلب ورأس العين (واشوكاني) مثال حي على هذا التداخل حيث عاش المسلمون والمسيحيون واليهود والايزيديون والكرد والعرب والتركمان والشركس وغيرهم جنبًا إلى جنب.
ويؤكد المؤرخ والمفكر وعالم الاجتماع ابن خلدون في مقدمته قائلاً :أن “الإنسان اجتماعي بطبعه، والمدنية ضرورة للبشر، والتنوع في الجماعة يزيدها قوةً لا ضعفًا.” وهذا ينطبق تمامًا على الحالة السورية حيث أظهر التاريخ أن المجتمعات التي تحترم التعددية هي الأكثر استقرارًا وتطوراً وتقدماً .
_الركائز الأساسية للسلم الأهلي والتماسك الاجتماعي:
1_احترام التنوع الثقافي واللغوي:
لكل مكون من مكونات سوريا ثقافته ولغته وتقاليده الخاصة ولا يمكن للسلم الأهلي أن يتحقق إلا باحترام هذا التنوع بدلاً من محاولات الطمس أو الإقصاء. وكما قال الفيلسوف الفرنسي فولتير: “عدم الاتفاق في الرأي يجب ألا يكون سببًا للعداء بل دافعًا للحوار”
2_الجيرة والصداقة كأساس للتعايش:
التاريخ السوري مليء بأمثلة الجيرة الحسنة والتكافل بين المكونات المختلفة فالمجتمعات التقليدية كانت ومازالت مبنية على التعاون والتشارك في الحياة اليومية بغض النظر عن الخلفية الدينية أو العرقية وإذا شخّصنا الواقع السوري سنرى التمازج والتآلف والمصاهرة فيما بين عرق وآخر وقومية وآخرى ومكوّن وآخر والفيلسوف السوري أدونيس يؤكد على ذلك بقوله: “التنوع ليس انقسامًا بل هو ثراء يغني الهوية الإنسانية”
3_الشراكة في الوطن والمصير:
المواطنة الحقيقية تقوم على الشراكة المتساوية وليس على هيمنة فئة على أخرى وكما قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط: “السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق إلا عبر نظام عادل يعترف بحقوق الجميع”
4_ الابتعاد عن ذهنية المركزية المتزمتة:
المركزية القومية أو الطائفية أو الايديولوجية كانت دائمًا سببًا للتوترات في أي مجتمع واكبر مثال الحقبة التاريخية لمعظم الدول الاوروبية والحروب التي حصلت فيها آنذاك .
لا يمكن بناء مجتمع سلمي دون الاعتراف بحق كل فرد أو جماعة في الحفاظ على ثقافتها ولغتها بما يصون خصوصيتها . وكما قال المفكر الإيراني علي شريعتي: “الحرية الحقيقية تبدأ عندما ندرك أن الاختلاف ليس تهديدًا بل أساسٌ للحوار والتكامل.”
لكي نضع أسس وركائز لبناء مجتمع سليم علينا البناء وفقاً للقاعدة التي تقول :
“الاختلاف تنوع وجمال وليس خلاف وصراع”
فبدلاً من اعتبار التنوع سببًا للخلاف يمكن تحويله إلى مصدر ثراء وجمال كما قال المفكر اللبناني جبران خليل جبران: “اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية بل هو الدليل الأهم على حرية الفكر”
في المجتمعات التي تحترم التعددية، يكون الإبداع أكثر والتعاون أكبر والاستقرار أعمق.
يقول عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو: “المجتمع الذي يقبل تعددية الهويات هو المجتمع الأكثر قدرة على البقاء والتطور”
فمن خلال ماتقدم نستطيع القول إن بناء السلم الأهلي في سوريا يتطلب إعادة الاعتبار للجذور التاريخية للتعايش، والتأكيد على حتمية الجيرة والشراكة واحترام الخصوصية الثقافية لكل مكون وفئة وشريحة وطائفة .
وعبر تبني رؤية قائمة على التنوع كقوة إيجابية يمكن لسوريا أن تستعيد دورها كجسر حضاري بين الشرق والغرب. وكما قال الفيلسوف العربي المعري: “اختلاف الناس في الرأي رحمة واسعة، فلو اتفقوا لضاقت الدنيا بأهلها.”
فمن خلال التماسك المجتمعي والبناء السليم للجسد السوري يمكننا القول بإن وطننا السوري سيعيد دوره التاريخي ويواكب الحضارة الإنسانية من جديد وخاصةً إنها تمتلك كل المقومات الأساسية التي تفتقدها غالبية الدول الحاضرة في القمة حالياً من حيث الرُّقي والتطور والنهوض الاجتماعي والعمراني والاقتصادي .
الهيئة الإدارية لكونفدرالية تنظيمات المجتمع الديمقراطي .